عظة في ضوء تفسير الآباء لمتى ١١: ١٢
«ومِنْ أيّامِ يوحَنا المَعمَدانِ إلَى الآنَ ملكوتُ السماواتِ يُغصَبُ، والغاصِبونَ يَختَطِفونَهُ»
متى ١١: ١٢ — ترجمة فاندايك
مقدمة
أيها الأحباء، تقف أمامنا اليوم آية من أكثر آيات الإنجيل غنىً وإثارةً للتأمل، آية توقف عندها آباء الكنيسة طويلاً لأن الفعل اليوناني الذي استُخدم فيها، وتُرجم «يُغصَب»، يحتمل معنيين: فإما أن يكون المقصود اقتحاماً عدائياً عنيفاً، أو أن يكون المقصود اندفاعاً مقدساً وغيرة روحية متقدة نحو الملكوت. وقد رأى غالبية آباء الكنيسة، وعلى رأسهم القديس يوحنا ذهبي الفم، أن المعنى المقصود هو المعنى الثاني: أن ملكوت السماوات لا يُعطى للمتكاسلين، بل يناله فقط من يجاهد بشجاعة وحرارة.
أولاً: الغيرة المقدسة عند ذهبي الفم ومقاريوس الكبير
يعلّمنا القديس يوحنا ذهبي الفم أن كرازة يوحنا المعمدان بالتوبة أشعلت في القلوب حماساً روحياً غير مسبوق، فاندفع الناس نحو الملكوت بشوق عارمٍ، تاركين وراءهم كل عائق أرضي، وكأن كل واحد منهم جنديٌّ باسل يقتحم مدينة محصّنة ليستولي عليها. فالملكوت -بحسب ذهبي الفم- لا يُمنح لصاحب النفس الفاترة، بل لصاحب النفس الحارة التي «تغتصبه» بجهادها، بصومها، وصلاتها، وتوبتها الصادقة العميقة.
وفي نفس الاتجاه، يستخدم القديس مقاريوس الكبير هذه الآية كثيراً في عظاته عن الجهاد الروحي، مؤكداً أن ملكوت الله لا يُنال بالكسل، بل بعنفٍ مقدس يُمارَس ضد الأهواء والشياطين. فالنفس مدعوة أن «تغتصب» نعمة الروح القدس بإلحاحها الدائم في الصلاة، وبمقاومتها المستمرة للخطية.
أما القديس غريغوريوس النيصي فيربط هذا الاغتصاب المقدس بمسيرة النفس نحو الكمال والتألّه، إذ يرى أن كل خطوة تقدم روحي هي انتزاعٌ للنفس من قيود الجسد والعالم، واقتحامٌ متجدد لأبواب السماء.
ثانياً: وجه آخر — عنف الاضطهاد
يذهب بعض الآباء، ومنهم القديس هيلاريوس أسقف بواتييه، وأحياناً العلّامة أوريجينوس، إلى فهمٍ مختلف لكلمة «الغاصبين»: فيرونها إشارة إلى أولئك الذين قاوموا الملكوت بعنف، أي الفريسيين والكتبة والسلطات التي اضطهدت يوحنا المعمدان، وستضطهد لاحقاً المسيح والرسل. وبحسب هذا الفهم، تحمل الآية نبوءة عن استشهاد يوحنا، الذي أُخذ بالقوة وقُتل ظلماً، وعن الاضطهاد الذي سيلاقيه كل من يكرز بالملكوت عبر الأجيال.
ثالثاً: القديس أغسطينوس — عنف مقدس ضد الذات
يجمع القديس أغسطينوس بين المعنيين بطريقة رائعة، إذ يرى أن دخول الملكوت يستلزم «عنفاً» يمارسه الإنسان ضد ذاته، أي مجاهدة قسرية لشهواته وكسله الطبيعي. فـ«الغصب» هنا ليس عدواناً على الآخرين، بل قسرٌ للنفس ذاتها كي تنقاد للروح لا للجسد، وكي تنتصر إرادة الإنسان الطالبة للخير على ميوله الساقطة.
رابعاً: في التقليد القبطي الأرثوذكسي
في تراثنا القبطي، غالباً ما تُقرأ هذه الآية على ضوء تجربة آباء البرية أنفسهم، الذين فهموا «اغتصاب» الملكوت على أنه:
- الجهاد النسكي: الصوم الشديد، السهر، والانطراح أمام الله بإلحاحٍ لا يكلّ، كما في مَثَل الأرملة الملحّة (لوقا ١٨).
- يوحنا المعمدان كنموذج: فمنذ أن بدأ يكرز بالتوبة، صار الملكوت قريباً ومتاحاً بشكل ملموس، فاندفع نحوه العشارون والخطاة وحتى الأمم، متجاوزين أحياناً «أبناء الملكوت» المتكلين على نسبهم فقط دون توبة حقيقية.
خلاصة الرسالة
أيها الأحباء، إن أغلب الآباء -وفي مقدمتهم ذهبي الفم ومقاريوس الكبير- يرون في هذه الآية دعوة صريحة لكل واحد منا: أن يكون «غاصباً مقدساً» لملكوت السماوات، يقتحم أبوابه بصلاته وصومه وتوبته وجهاده اليومي، تماماً كما يقتحم الجندي الشجاع حصناً منيعاً. فالملكوت لا يُعطى مجاناً لمن يكتفي بالانتماء الاسمي أو بالفتور الروحي، بل يناله فقط من يطلبه بكل قلبه، وبكل قوته، وبكل غيرته.
فلنجعل من هذه الأيام أيام «اغتصاب» مقدس لملكوت الله في حياتنا: بالصلاة المُلحّة، والصوم الصادق، والتوبة الدائمة، وطاعة كلمة الله بلا فتور، حتى نستحق أن نكون نحن أيضاً من «الغاصبين» الذين يختطفون الملكوت بغيرتهم المقدسة.
له المجد إلى الأبد آمين

Leave a comment